التعدد ليس المشكلة
كثير من الدول الناجحة متعددة اللغات أو الأديان أو القوميات، ومع ذلك لم يمنعها التعدد من بناء استقرار سياسي. المشكلة لا تكمن في وجود هويات فرعية، بل في نوع العلاقة بينها وبين الدولة. حين يشعر الأفراد أن الدولة تحميهم بصفتهم مواطنين، تقل الحاجة إلى الاحتماء المفرط بالهويات الأولية. أما حين تبدو الدولة منحازة أو ضعيفة أو غير عادلة، فإن الانتماءات الجزئية تتحول إلى شبكة الأمان الأساسية.
لذلك لا تبدأ المواطنة من مطالبة الناس بالتخلي عن هوياتهم، بل من بناء إطار سياسي يجعل تلك الهويات أقل تهديدًا لبعضها. المواطنة هنا ليست إنكارًا للتنوع، بل طريقة لتنظيمه ضمن قواعد مشتركة.
كيف يُصنع الولاء المشترك؟
يُصنع الولاء المشترك حين يصبح للدستور معنى عملي، وللقانون قدرة فعلية، وللمؤسسة حياد يمكن لمسه. في الدول المتعددة، لا يكفي الحديث عن الوحدة الوطنية إذا لم يجد الفرد أثرها في المدرسة والمحكمة والوظيفة والخدمة. العدالة الإجرائية والتمثيل المنصف واللغة العامة التي تعترف بالتنوع كلها عناصر تصنع ولاءً سياسيًا أوسع من الانتماء الضيق.
التجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي نجحت لم تطلب من المجتمع أن ينسى فروقه، بل قدمت له أسبابًا يومية للتعامل مع الدولة بوصفها السقف المشترك. في كندا مثلًا، لا تُلغى الخصوصيات المحلية، لكنها تُدار ضمن عقد سياسي وقانوني مستقر. وفي سويسرا يتعايش التنوع اللغوي والثقافي مع مؤسسات عالية الانضباط والثقة.
حين تفشل الدولة
حين تفشل الدولة في الحياد والكفاءة، يصبح الحديث عن المواطنة ضعيف الأثر. المواطن يقيس الدولة بما تفعله، لا بما تقوله. إذا كان الوصول إلى الحقوق أو الفرص مشروطًا بالوساطة أو الانتماء، فإن الهوية الفرعية تكسب دائمًا. وهكذا تنتج الدولة، من حيث لا تريد، حوافز معاكسة لبناء المواطنة.
كما أن الاستخدام السياسي للهويات يزيد الأمر تعقيدًا؛ لأنه يحول الاختلاف الطبيعي إلى أداة تعبئة مستمرة. عندها لا يُنظر إلى التعدد بوصفه واقعًا قابلًا للإدارة، بل بوصفه صراعًا على البقاء أو النفوذ.
العراق وسؤال الولاء الوطني
العراق بلد غني بتعدده، لكن تحويل هذا التعدد إلى مصدر قوة يحتاج إلى مواطنة عملية لا خطابية. السؤال المركزي ليس كيف نجعل الهويات تختفي، بل كيف نجعل المواطنة مجزية وموثوقة. حين يحصل الفرد على حقه بصفته مواطنًا، ويثق بأن الدولة لا تسأله أولًا عن انتمائه، يبدأ الولاء السياسي بالتشكل على نحو أهدأ وأعمق.
من هنا تأتي أهمية المدرسة والإدارة العامة والقضاء والخدمة المحلية في تشكيل معنى الدولة. المواطنة تُبنى في التفاصيل: في عدالة الفرص، وفي احترام القانون، وفي قدرة الفرد على مخاطبة الدولة من دون وسيط هوياتي.
خلاصة
الولاء السياسي المشترك في الدول المتعددة لا يقوم على صهر المجتمع في هوية واحدة، بل على تأسيس عقد مدني يشعر معه الجميع أن الدولة تخصهم جميعًا. التعدد يصبح تهديدًا فقط عندما تغيب المؤسسة التي تنظم العلاقة بين المختلفين. أما إذا حضرت تلك المؤسسة، فيمكن للتنوع أن يكون مصدر ثراء لا مصدر انقسام.
لهذا فإن بناء المواطنة ليس مشروعًا ثقافيًا فقط، بل مشروع مؤسسات وقواعد وسلوك عام. وحين تنجح الدولة في ذلك، لا تلغي الهويات الفرعية، لكنها تمنعها من أن تكون البديل الوحيد عن الدولة.