في بيت عراقي ما زالت صورة مفقود معلقة، لا يكون الماضي فصلًا انتهى. تبقى الأسرة محتاجة إلى جواب عن مصيره، وإلى وثيقة تتيح لها متابعة شؤونها، وإلى من يساعدها على تحمّل الانتظار. وثّقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أغسطس 2025 استمرار هذه المعاناة لدى أسر عراقية، بما فيها العقبات القانونية والإدارية والحاجة إلى الدعم النفسي والاقتصادي. لذلك، حين نتحدث عن تحويل الذاكرة إلى قوة لبناء الدولة، يجب أن نبدأ من حقوق الناس الذين يحملونها. [اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2025]
لا يستطيع بلد أن يبني مستقبله بالطلب من المتضررين أن ينسوا. لكنه لا يستطيع أيضًا أن يجعل كل جيل وارثًا لخصومات لا تنتهي. الطريق الممكن هو أن تصبح المعرفة بالماضي وسيلة لإثبات الحق، وتحسين المؤسسات، وتعليم الأجيال كيف تمنع تكرار الانتهاك. عندئذ تتحول الذاكرة من تنافس على من تألم أكثر إلى مسؤولية مشتركة عن حماية من يعيشون اليوم ومن سيأتون بعدهم.
الماضي لا يُغلق بقرار
يحمل العراق آثار عقود من الحروب والعنف والفقد. وتوضح خبرة الصليب الأحمر أن غياب المعلومة عن المفقود يمتد إلى حياة الأسرة القانونية والمعيشية، فلا تبقى القضية محصورة بالحزن الشخصي. هنا تظهر وظيفة الدولة: حفظ الملفات، وتنسيق البحث، ومساندة التعرف على الرفات وفق المعايير المختصة، وإبقاء العائلة على اطلاع بما يمكن معرفته. ولا يجوز أن يُطلب من الأسرة تكرار قصتها أمام جهات متفرقة كلما احتاجت إلى خدمة. [أسر المفقودين ومسار المساندة]
ومن المهم أن نرى ما تحقق وما بقي ناقصًا. أقر العراق قانون الناجيات الإيزيديات سنة 2021، وامتدت أحكامه إلى فئات من الناجين من جرائم داعش من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان. وجود القانون نقل جانبًا من الاعتراف بالمعاناة إلى حقوق والتزامات عامة. لكن الاعتراف القانوني لا يكفي لتقدير جودة التنفيذ أو وصول جميع المستحقين. [الأمم المتحدة: قانون الناجيات]
ويبيّن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المنشور في 2026 أن التعويضات وصلت إلى 2,587 متقدمًا حتى 31 أكتوبر 2025، كما سجّل قيودًا مالية على خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي. هذا تاريخ للبيانات داخل التقرير، وليس عددًا مؤكدًا للمستفيدين في أكتوبر 2026. الدلالة أن مسارًا للتعويض أصبح قائمًا، وأن المال وحده لا يستكمل جبر الضرر. العلاج والتعليم واستعادة مصدر الرزق والأمان والعدالة تحتاج متابعة كل منها على حدة. [تقرير الأمين العام S/2026/321، الفقرتان 88 و89]
أرشيف يحمي الناس ويعلّم المؤسسات
تقدم ألمانيا بعد سقوط ألمانيا الشرقية مثالًا محددًا على تغيير وظيفة الوثيقة. فملفات جهاز أمن الدولة، التي جُمعت لمراقبة الأفراد، أصبحت خاضعة لترتيب قانوني يتيح للإنسان الاطلاع على ما جُمع عنه، ويتيح الاستخدام المنظم للبحث والتعليم. وبحسب الأرشيف الاتحادي الألماني، تمكن أكثر من مليون ونصف المليون شخص منذ 1992 من الوصول إلى ملفاتهم. هذه نتيجة في إتاحة المعرفة، ولا تعني أن جميع آثار الماضي أو خلافات المجتمع زالت. [الأرشيف الاتحادي الألماني]
الدرس القابل للنقل هو وضع الوثيقة تحت قاعدة تحمي صاحب الحق. أما نسخ النظام الألماني كما هو فلن يراعي اختلاف تاريخ العراق ومؤسساته وتعدد جهات حفظ سجلاته. يمكن البدء بفهرسة ما تملكه المؤسسات، وتحديد مسؤولية صيانته، ووضع قواعد لطلب الاطلاع والتصحيح وحماية هوية الشهود والناجين. ولا تعني الشفافية نشر كل ملف على الإنترنت؛ بعض الوثائق يحوي معلومات شخصية قد يؤدي كشفها إلى ضرر جديد.
وفي المدرسة والمتحف والجامعة، يمكن تحويل الملف التاريخي إلى تدريب على التفكير المسؤول. يقرأ الطالب وثيقة أصلية إلى جانب شهادة ومادة بحثية، ويتعلم الفرق بين ما ثبت وما بقي محل خلاف. هذا مقترح تربوي يحتاج إشرافًا علميًا وحوارًا مع أصحاب التجارب. الغاية أن يفهم الطالب كيف تُختبر الرواية، وكيف تتحول سلطة بلا رقابة إلى خطر، وكيف يحمي القانون الإنسان. ولا يلزم أن تتطابق ذكريات الجميع كي يتفقوا على منع التعذيب والاضطهاد والعقاب الجماعي.
الذاكرة تستطيع أن تعمل في المدينة
لدينا مثال عراقي يربط التراث بحياة الناس. أطلقت اليونسكو مبادرة إحياء روح الموصل عام 2018. وفي عرضها المنشور في أكتوبر 2025، ذكرت إعادة بناء جامع النوري ومنارة الحدباء وكنيستي الساعة والطاهرة و124 بيتًا تراثيًا، وخلق أكثر من 7,000 فرصة عمل للحرفيين والمهندسين والعاملين، وتأهيل 31 مدرسة. هذه حصيلة أعلنتها الجهة المنفذة لمبادرتها، وليست إحصاءً لكل إعمار الموصل أو برهانًا على انتهاء جراحها الاجتماعية. [اليونسكو: حياة جديدة للموصل]
ما يستحق البناء عليه هو الجمع بين المكان والمهارة والعمل. حين يتعلم عامل طريقة ترميم، ويعود بيت صالحًا للسكن، وتُستخدم المدرسة، يصبح حفظ التراث جزءًا من اقتصاد المدينة وخدماتها. كما أن صيانة معالم دينية متعددة تعطي الذاكرة مساحة أوسع من رواية جماعة واحدة. لكن الترميم لا يعوض الناجي عن حقه القضائي، ولا يثبت وحده حدوث المصالحة. ينبغي أن تتكامل هذه المسارات من دون أن يُستخدم نجاح أحدها لإخفاء تعثر الآخر.
ولذلك يجب أن يُسأل كل مشروع للذاكرة عن نفعه بعد الافتتاح. من سيدير المكان؟ ومن سيمول صيانته؟ وهل يستطيع سكان المنطقة استخدامه؟ وهل يتعلم فيه الأطفال شيئًا موثقًا؟ يمكن لمتحف صغير منظم أو أرشيف محلي مصان أن يكون أنفع من بناء مرتفع الكلفة لا يملك برنامجًا أو فريقًا. هذه مفاضلة مالية وإدارية ينبغي مناقشتها علنًا، لأن المال العام محدود وحقوق الضحايا لا تحتمل المنافسة مع احتفالات بلا أثر.
ما الذي يمكن البدء به؟
أقترح برنامجًا أوليًا لمدة عام في عدد محدود من المؤسسات والمواقع، يبدأ بجرد الوثائق المعرضة للتلف، ووضع خطة حفظ ونسخ آمنة لها. وتشارك الجهات المختصة والجامعات وممثلو الضحايا في تحديد الأولويات وقواعد الاستخدام. يُنشر مقدار ما حُفظ وفُهرس، ومدد الاستجابة للطلبات، وما أُتيح للبحث بعد حماية الخصوصية. ولا تُجمع شهادات مؤلمة لمجرد زيادة عدد المواد؛ تؤخذ الموافقة الواعية، ويُوضح الغرض، وتُحترم حدود النشر.
بالتوازي، تُقاس خدمة العائلات بما يصلها فعلًا: جواب مفهوم، مساعدة قانونية، إحالة إلى دعم مناسب، وتنفيذ حق مستحق. وفي مشروعات التراث تُقاس المهارات المكتسبة والعمل والصيانة والاستخدام التعليمي، مع مراجعة مستقلة للكلفة. هذه مؤشرات بداية مقترحة، وليست أهدافًا وطنية أُقرت. وهي تسمح بتوجيه الموارد إلى ما يثبت نفعه، وتصحيح ما يتحول إلى نشاط شكلي.
يستحق العراقيون ذاكرة لا تُهين آلامهم ولا تحبس أبناءهم فيها. ويمكن للدولة أن تجعل الوفاء للماضي عملًا نافعًا للمستقبل حين تحفظ الحقيقة، وتصل الحقوق إلى أصحابها، ويتعلم الأطفال أن اختلاف الروايات لا يسقط كرامة أحد. عندها يكون ما نورثه للجيل المقبل معرفة تحميه، ووطنًا يتسع لتجارب أهله، وقدرة أكبر على ألا يكرر مأساتهم.