حين يقرأ المواطن قانونًا يعده بإجراء أبسط أو حماية أفضل، فمن حقه أن ينتظر فرقًا في حياته. غير أن المسافة قد تبقى واسعة بين النص المنشور والمعاملة التي تنتهي، أو المخالفة التي تتوقف، أو الحق الذي يعود إلى صاحبه. عندئذ يتجدد الطلب على قانون آخر، مع أن جزءًا من المشكلة قد يكون في طريقة تشغيل القانون الموجود. كيف نجعل التشريع بداية تغيير يمكن الاعتماد عليه، بدل أن يصبح وعدًا جديدًا يضاف إلى الوعود السابقة؟
لا يعني هذا أن النصوص متساوية في الجودة، أو أن تعديلها عمل قليل الأهمية. قانون غامض أو تمييزي أو متناقض يحتاج إلى إصلاح. لكن القانون الجيد لا يثبت جودته بصياغة هدف نبيل وحده؛ عليه أن يحدد إجراء يمكن تنفيذه، ومسؤولية يمكن معرفتها، وحقًا يمكن الدفاع عنه. وحين تغيب هذه الشروط، يستطيع المسؤول أن يقول إنه ملتزم بالقانون، بينما يبقى المواطن عاجزًا عن الحصول على النتيجة التي وُضع القانون من أجلها.
ما الذي ينقص النص بعد صدوره؟
في التجربة العراقية، تضمّن قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 وتعديلاته أهدافًا تتصل بتوسيع الإنتاج والخدمات وحماية حقوق المستثمرين، وتضمّن التنظيم المؤسسي مكتبًا للنافذة الواحدة وخدمات المستثمرين. وجود هذه الترتيبات منذ سنوات يضع النقاش في مكانه الصحيح: كتابة اسم النافذة الواحدة لا تخبرنا وحدها إن كانت الجهات خلفها تتخذ قرارًا منسقًا. وهذه ملاحظة عن الفرق بين التصميم والأداء، وليست حكمًا بأن كل تطبيق للقانون أخفق.
لنتصور إجراءً يحتاج موافقة جهات متعددة. قد يجمع مكتب واحد طلبات المراجع، لكنه يظل مضطرًا إلى انتظار كل جهة منفردة، من دون موعد ملزم أو سلطة لحسم التعارض. يكون المواطن قد غيّر مكان الانتظار ولم تتغير أسبابه. إصلاح هذه الحالة يتطلب تحديد الجهة التي تتحقق من كل معلومة، والمهلة المتاحة لها، وطريقة الاعتراض على قرارها. وقد يكون الحل في التعليمات والتنظيم وتبادل البيانات، وقد يحتاج تعديل القانون؛ التشخيص هو الذي يحدد الأداة المناسبة.
يلخص تقرير التنمية في العالم 2017 عن الحوكمة والقانون جانبًا مهمًا من المشكلة: فعالية المؤسسات ترتبط بقدرتها على تثبيت الالتزام والتنسيق والتعاون، ولا تكفي محاكاة أشكال مؤسسات البلدان الأخرى. فقد تكون المؤسسة قائمة، لكنها لا تستطيع إلزام أصحاب النفوذ بالقواعد نفسها. وقد تملك كل دائرة صلاحيتها، بينما تفتقد الجهات معًا القدرة على إنجاز عمل مشترك. لذلك لا يصح اختزال ضعف القانون في كسل موظف أو نقص دورة تدريبية.
الحوافز قد تعطل أفضل التعليمات
تقدم تجربة رقابة التلوث في ولاية غوجارات الهندية مثالًا واضحًا. كانت المصانع تختار مدققيها وتدفع لهم، بما يخلق تضاربًا بين دقة التقرير والحفاظ على العميل. وفي تجربة ميدانية استمرت عامين ونُشرت نتائجها عام 2013، غيّر الباحثون ترتيبات التدقيق لتشجيع التقارير الصحيحة. تحسنت صدقية تقارير المدققين، وتراجعت الحالات التي وُصفت خطأً بأنها ملتزمة، وخفضت المصانع المشمولة بالتدخل انبعاثاتها. التغيير مسّ علاقة الرقابة بالجهة الخاضعة لها، ولم يعتمد على إضافة عبارة أشد إلى النص.
لا تمنحنا هذه التجربة نسبة جاهزة لتحسين المؤسسات العراقية؛ فهي جرت في قطاع ومكان محددين. لكنها تدعونا إلى فحص سؤال عملي في التفتيش والتعاقد والترخيص: من يقيّم العمل، ومن يدفع كلفة التقييم، ومن يملك التأثير في بقاء المقيّم؟ إذا ارتبط مستقبل الموظف برضا جهة يفترض أن يراقبها، تصبح مطالبتنا بالنزاهة ناقصة ما لم نعالج هذه العلاقة. والاستقلال المطلوب لا يعني إعفاء المدقق من المساءلة، بل إخضاع عمله لمراجعة لا يتحكم بها المستفيد من قراره.
كما ينبغي التمييز بين نقص القدرة وتعمد التعطيل. قد تتأخر مؤسسة لأن عدد المختصين لا يكفي، أو لأن بياناتها متعارضة، أو لأن القانون كلّفها بما لا تملك أدواته. وقد تتأخر لأن الغموض يتيح منفعة خاصة. في الحالة الأولى نحتاج تنظيمًا وموارد وتبسيطًا، وفي الثانية نحتاج حماية للقرار المهني وكشفًا لتضارب المصالح ومحاسبة. استعمال العلاج نفسه للحالتين يرهق الموظف الجاد ويترك صاحب المصلحة قادرًا على الالتفاف.
إنفاذ عادل يستطيع أن يستمر
تفترض بعض القواعد أن الجهاز الرقابي يستطيع فحص كل منشأة وكل مخالفة بالقدر نفسه. هذه فرضية ثقيلة حين تكون الموارد محدودة. ويوصي دليل OECD للإنفاذ والتفتيش لعام 2018 بتوجيه الجهد بحسب احتمال الضرر وحجمه، مع معايير واضحة واستجابة متناسبة. فاختلاف أولوية التفتيش يمكن أن يكون مشروعًا إذا استند إلى الخطر الفعلي، لا إلى قرب صاحب المنشأة من المسؤول أو قدرته على تفاديه.
في العراق، يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى نشر معايير الزيارة والمخالفة والتصحيح في القطاعات التي يلائمها، وتوثيق سبب الاستثناء، وإتاحة الاعتراض. ولا يجوز تحويل الرقابة القائمة على المخاطر إلى باب لإهمال شكاوى الناس أو التساهل مع خطر جسيم. الفائدة تتحقق حين يعرف المفتش حدود سلطته ويعرف صاحب المعاملة ما المطلوب منه، ويستطيع طرف مستقل مراجعة القرار. وضوح الإجراء يحمي المصلحة العامة ويقلل مساحة الابتزاز في الوقت نفسه.
وتحتاج حقوق المواطن إلى العناية نفسها التي تنالها واجباته. حين ترفض الإدارة طلبًا، يجب أن يستطيع معرفة السبب والقاعدة التي استندت إليها، والطريق المتاح لتصحيح خطأ في بياناته أو الاعتراض على القرار. لا تكفي نافذة للشكاوى إذا لم يوجد من يفصل فيها، ولا قيمة لمهلة معلنة إذا كان تأخيرها بلا تفسير. هذه ترتيبات أقترح أن تُفحص عند إعداد التشريعات ومراجعتها، مع احترام الاختصاص القضائي والقوانين النافذة، وليست وصفًا لضمانات مطبقة بالتساوي الآن.
امتحان القانون يبدأ قبل التصويت عليه
يمكن أن تبدأ المعالجة من ملف تنفيذ يرافق كل مشروع قانون مؤثر في حياة الناس. يبين الملف كلفته، والجهة المسؤولة، والتعليمات اللازمة، والموارد المتاحة، وما يتعين تغييره في العمل اليومي. وتُجرَّب الإجراءات المقترحة على حالات واقعية مع الموظفين والمراجعين قبل تثبيتها حيث يسمح القانون، من دون تعليق الحقوق. إذا اكتشفنا أن نموذجًا لا يمكن ملؤه أو معلومة لا تملكها أي جهة، فهذه مشكلة ينبغي حلها قبل أن يدفع المواطن ثمنها.
وبعد بدء التطبيق، يحتاج مجلس النواب والجهات الرقابية إلى معرفة نتائج محددة: هل صار الحصول على الحق أيسر؟ هل انخفضت مدة الإجراء من دون تراجع التدقيق؟ هل يستطيع المتضرر الاعتراض؟ وإذا ظهر خلل، فهل سببه مادة قانونية أم تعليمات متناقضة أم عجز تمويلي؟ تلك مراجعة للتنفيذ تساعد على تعديل موضع الخطأ، بدل تغيير النص كله كلما تبدل المسؤول أو تبدلت الأولويات.
بناء دولة تحترم القانون يبدأ من احترام حق العراقي في أن يجد وراء النص مؤسسة تعمل. لا نحتاج تقليل طموح التشريع، بل تحمل مسؤوليته حتى آخر خطوة، حين يصل الحق إلى صاحبه وتطبق القاعدة على القادر والضعيف معًا. عندها يصبح القانون جزءًا من الأمان الذي يخطط الناس على أساسه لمستقبلهم في وطنهم.