المعضلة الأخلاقية والسياسية
في الدول المتعثرة، يواجه المواطن سؤالًا مربكًا: هل يظل ملزمًا أخلاقيًا بالقانون والرسوم والنظام العام إذا كان يرى أن الدولة لا تؤدي وظائفها كما ينبغي؟ هذا السؤال ليس ذريعة للتهرب بقدر ما هو تعبير عن أزمة ثقة متبادلة. فالمواطنة الحديثة تقوم عادة على شكل من أشكال المعاملة بالمثل: الدولة توفر الحد الأدنى من النظام والعدالة، والمجتمع يلتزم بالقواعد ويدعم الإطار العام.
عندما تضعف هذه الحلقة، تبدأ المبررات الفردية في التوسع: كل شخص يرى أن خروجه على القاعدة دفاع عن النفس أو تعويض عن خلل سابق. لكن النتيجة الجماعية تكون أحيانًا أسوأ من الخلل الأصلي.
منطق الفعل الجماعي
تكمن المشكلة في أن كثيرًا من السلوكيات المدنية تشبه معضلات الفعل الجماعي. إذا التزم الجميع تتحسن النتيجة للجميع، لكن كل فرد قد يرى مصلحة قصيرة الأمد في عدم الالتزام إذا توقع أن الآخرين سيتحملون العبء. ولهذا فإن ضعف الشرعية لا يؤدي فقط إلى انتقاد الدولة، بل قد ينتج دوامة تراجع أوسع في الامتثال والمشاركة والانضباط.
من هنا نفهم لماذا تعاني بعض الدول من صعوبة مزمنة في تحصيل الرسوم أو حماية الفضاء العام أو تثبيت قواعد بسيطة، رغم أن كثيرين يقرون نظريًا بأهميتها. فغياب الثقة يحول الواجب إلى مغامرة فردية أكثر منه قاعدة جماعية.
ما حدود مسؤولية المواطن؟
من الواقعي الاعتراف بأن الدولة تتحمل المسؤولية الأكبر عن خلق البيئة التي تجعل الواجب ممكنًا وعادلًا. لكن من الخطر أيضًا تحويل كل ضعف مؤسسي إلى مبرر شامل لتعليق الواجب المدني. لأن انهيار القاعدة العامة يضر بالمجتمع كله، بما فيه الأفراد الذين يشعرون بالغبن. لذلك فإن السؤال الأدق ليس: هل المواطن مسؤول أم لا؟ بل: كيف يمكن توزيع المسؤولية بطريقة تعيد ترميم الثقة؟
جزء من الجواب يكمن في الواجبات منخفضة الكلفة وعالية الأثر: احترام النظام الأساسي، حماية الممتلكات العامة، المشاركة المدنية، والمطالبة السلمية المنظمة بالحق. هذه الأفعال لا تحل أزمة الدولة، لكنها تمنع تحول الأزمة إلى فوضى اجتماعية مكتملة.
العراق بين الشك والضرورة
في العراق، تبدو هذه المعضلة حاضرة في كثير من الملفات اليومية. المواطن يريد دولة أكثر كفاءة وعدالة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى حد أدنى من التعاون العام حتى تتحسن البيئة نفسها. لذلك فإن بناء الدولة لا يُترك للسلطة وحدها، ولا يُلقى على المجتمع وحده أيضًا. إنه مسار مزدوج: إصلاح مؤسسي من الأعلى، واستعادة تدريجية للواجب المدني من الأسفل.
وهذا لا يتطلب مثالية مفرطة، بل فهمًا أن الامتناع الجماعي عن الالتزام لا يعاقب الدولة وحدها، بل يعاقب المجتمع أيضًا. وكل تقدم في الثقة المؤسسية يمكن أن يوسع لاحقًا دائرة الامتثال والمشاركة.
خلاصة
المواطن في الدولة المتعثرة ليس بريئًا بالكامل ولا مذنبًا بالكامل. هو طرف في علاقة مختلة تحتاج إلى إعادة توازن. الدولة مطالبة أولًا بتحسين الأداء والعدالة، لكن المجتمع مطالب أيضًا بعدم تحويل فقدان الثقة إلى رخصة عامة لتفكيك ما تبقى من القاعدة المشتركة.
من هنا تبدأ السياسة الناضجة: الاعتراف بالمشكلة، وتوزيع المسؤولية بإنصاف، والعمل على ترميم الثقة من خلال أفعال قابلة للتراكم، لا من خلال لوم متبادل لا ينتهي.