قد يكون للمشروع الحكومي تخصيص مالي، ولجنة متابعة، ومهندسون، ومراسلات كثيرة، ثم يصل موعد افتتاحه فلا تكون الخدمة جاهزة. المدرسة تحتاج معلمين وتجهيزًا وصيانة، والمركز الصحي يحتاج ملاكًا ودواء ونظام إحالة. لهذا لا يستطيع المواطن أن يقيس قوة الدولة بعدد الأسماء على الهيكل الإداري. ما يهمه هو أن يتحول المال والعمل والقرار إلى خدمة تصل إليه وتستمر.
والحديث عن دولة قادرة لا يبرر تقليصها بلا حساب. قد تكون القرية محتاجة إلى ممرض إضافي، والمدرسة إلى معلم، والدائرة إلى خبير لا تملكه. وقد توجد في مكان آخر موافقات متكررة ووظائف لا تضيف قيمة للخدمة. الاختيار الجاد يبدأ بتحديد المهمة، ثم المهارة والعدد والتمويل اللازمين لها. أما البدء بشعار زيادة الموظفين أو خفضهم، فيترك السؤال الأهم بلا جواب: ماذا ينبغي أن يتحسن في حياة الناس؟
الحجم يخبرنا عن الكلفة، ولا يكفي لقياس القدرة
توضح المقارنة الدولية سبب الحذر. يسجل تقرير «الحكومة في لمحة 2025» أن العاملين في الحكومة العامة يمثلون 28.2% من إجمالي المشتغلين في السويد و27.3% في الدنمارك، مقابل أقل من 10% في اليابان وكوريا، ضمن بيانات الشكل المرجعي لعام 2023. ويشرح التقرير أن النسب تتأثر بطريقة تنظيم الصحة والتعليم والخدمات، وما إذا كان العاملون فيها موظفين حكوميين أو يعملون في مؤسسات خاصة وغير ربحية. لذلك لا تعطي المقارنة رقمًا مثاليًا يمكن نقله إلى العراق. [منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، توظيف الحكومة العامة]
ومن الخطأ أيضًا مقارنة جميع من يتلقون دخلًا من الدولة العراقية بهذا المؤشر؛ فهو يقيس توظيف الحكومة العامة بتعريف محدد، ولا يجمع الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من الإعانات في عدد واحد. والقدرة لا تُستنتج من النسبة وحدها. المطلوب معرفة أين يعمل الموظفون، وما الذي ينجزونه، وما الكلفة التي تتحملها الموازنة، وأي مناطق أو اختصاصات تعاني نقصًا. من دون هذه الصورة قد نخفض العدد في موقع يحتاج إلى تعزيز، ونبقي التعطيل في الموقع الذي يحتاج إلى إصلاح.
في المقابل، لا يمكن تجاهل كلفة الجهاز العام. قدّر صندوق النقد الدولي في مشاورات العراق لعام 2025 أن الأجور والتقاعد بلغا معًا 22% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مقابل 43.5% للإنفاق وصافي الإقراض. هذه تقديرات لسنة 2024، وليست حسابًا نهائيًا لسنة 2026، كما أن بند الأجور والتقاعد أوسع من رواتب الموظفين العاملين وحدها. لكنها تكشف أهمية إدارة الالتزامات الدائمة بعناية، كي تبقى مساحة لتمويل التجهيز والصيانة والاستثمار. [صندوق النقد الدولي، مشاورات العراق 2025]
المؤسسة التي تنجز تعرف من يملك النتيجة
يمكن فهم الفارق بمثال مركز صحي مقترح. جهة تختار الأرض، وأخرى تمول البناء، وثالثة توفر العاملين، ورابعة تشتري الأجهزة. إذا أنهت كل جهة ملفها منفردة، فقد يكون المبنى جاهزًا بينما تبقى الخدمة مؤجلة. يحتاج العمل إلى مسؤول محدد عن النتيجة الكاملة، يملك متابعة الالتزامات ورفع التعارض إلى مستوى يستطيع حسمه. لا يعني ذلك أن ينفرد شخص بالمال والقرار، بل أن تصبح المسؤولية واضحة مع بقاء التدقيق والفصل بين الصلاحيات.
والعراق يملك تجربة حديثة توضح أن التنسيق الممكن ليس فكرة بعيدة. ففي نوفمبر 2024 أعلنت الأمم المتحدة في العراق نجاح إنجاز التعداد السكاني وإعلان نتائجه الأولية، وأشارت إلى تعاون المؤسسات العراقية والفرق الحكومية مع صندوق الأمم المتحدة للسكان. لا يثبت نجاح مهمة وطنية واحدة كفاءة جميع الخدمات، لكنه يمنع الحكم بأن الإدارة العراقية عاجزة بطبيعتها. والاستنتاج العملي هو دراسة شروط الإنجاز، ثم نقل ما يصلح منها إلى المهام المتكررة. [الأمم المتحدة في العراق، 25 نوفمبر 2024]
الأولوية المحددة والجدول الزمني والبيانات وتوزيع الأدوار عناصر يمكن اختبارها في مشاريع أخرى. أما تحويل الاستنتاج إلى إنشاء هيئة جديدة فوق الهيئات القائمة فقد يزيد عدد نقاط الموافقة. الأصل أن نسأل الجهة الموجودة عما يمنعها من الإنجاز: هل ينقصها تفويض قانوني، أم مهارة، أم تمويل منتظم، أم معلومات؟ لكل عطل علاج مختلف، ولا يستدعي كل تعثر إضافة مؤسسة.
التغيير الحقيقي يظهر عند نافذة الخدمة
وثّق البنك الدولي عام 2012 إصلاحات جورجيا في الخدمات العامة بعد 2003، ومنها التسجيل والخدمات المدنية والكهرباء والجمارك. جمعت التجربة بين تبسيط الإجراءات واستخدام التقنية وتحسين الإدارة وتغيير حوافز العمل. وفي الوقت نفسه شدد التقرير على ضرورة تقوية المؤسسات والضوابط المتبادلة لحماية الإصلاح من التراجع. هذه دراسة تاريخية لمسار محدد، وليست شهادة مفتوحة على كل ما جرى في جورجيا لاحقًا. [البنك الدولي: مكافحة الفساد في الخدمات العامة]
ما يناسب العراق من هذا الدرس هو البدء بالخدمة كاملة. تُرسم رحلة المواطن من تقديم الطلب إلى استلام النتيجة، ثم يُسأل عن ضرورة كل وثيقة وتوقيع وزيارة. وإذا كانت الحكومة تملك معلومة صحيحة أصلًا، يُدرس تبادلها بين الجهات ضمن أساس قانوني وضمانات للخصوصية. وإذا كانت الموافقة تحمي السلامة أو الملكية، فلا تُلغى لمجرد تسريع المعاملة. الجودة هي إنجاز صحيح في وقت معقول، لا سرعة تخفي أخطاء ستظهر بعد ذلك.
ويحتاج الموظف إلى بيئة تمكنه من العمل. تعليمات متضاربة أو جهاز متعطل أو صلاحية معلقة قد تجعل أكثر العاملين التزامًا عاجزًا عن الإنجاز. لذلك يجب أن يسبق الحكم على إنتاجية الأفراد فحص شروط عملهم، ثم تدريبهم وتوزيعهم وفق الحاجة. كما أن الاستعانة بالقطاع الخاص لا تنهي مسؤولية الدولة؛ العقد يحتاج مواصفات ومنافسة ورقابة وقدرة على تصحيح الإخفاق. قد تنتقل الخدمة إلى متعهد وتبقى المشكلة نفسها إذا ضعفت الجهة التي تشتريها.
كيف نعرف أن الدولة أصبحت أقدر؟
أقترح البدء بثلاث خدمات كثيرة الاستخدام، تختارها الجهات المختصة وفق بيانات الشكاوى والطلب، وبعدد محدود من المشاريع المتعثرة القابلة للمعالجة. خلال الأشهر الأولى تُثبت نقطة البداية: الزمن الفعلي، والزيارات، وكلفة المعاملة، ونسبة الأخطاء، وسبب تعثر كل مشروع. ثم يحدد مسؤول لكل نتيجة وصلاحياته والتزامات الجهات المشاركة. وتنشر مراجعة فصلية قصيرة تبين ما تغير وما تعطل والقرار المطلوب، بدل الاكتفاء بعدد الاجتماعات والكتب الصادرة.
ولا تكفي زيادة عدد المعاملات المنجزة إذا ارتفع رفض الطلبات المستحقة، أو تحسن المتوسط بإبعاد الحالات الصعبة. يجب فحص عينات من الجودة، وقياس تجربة المستخدم، وإظهار الفروق بين المناطق. وفي المشروع لا يكون صرف الموازنة دليل الإنجاز الأخير؛ الاختبار هو التشغيل الفعلي وتوفر موظفيه وصيانته. ويمكن بعد عام مراجعة التجربة وتوسيع ما ثبت نفعه، مع إعلان الكلفة والتعثر أيضًا. هذه خطوات مقترحة لبناء الدليل، لا إعلانًا عن برنامج منفذ.
العراق يحتاج إلى دولة تحسن استخدام طاقات موظفيها وتحمي المال العام وتصل بخدمتها إلى من يحتاجها. وقد يقتضي ذلك تعزيز مؤسسة، أو دمج وظيفتين متكررتين، أو تبسيط إجراء، أو نقل مهارة إلى موقع نقص. المعيار الذي يجمع هذه القرارات هو أثرها على الناس. وعندما يصبح هذا المعيار أساس الإدارة والمحاسبة، يمكن للعراقي أن يرى قوة بلده في مدرسة تعمل وماء يصل وحق يُنجز، لا في عدد المكاتب التي يمر بها.