يمكن أن ننشر عدد المدارس الجديدة ونظل لا نعرف ما إذا كان الأطفال يتعلمون أفضل. ويمكن أن نحصي مراكز الصحة من دون أن نعرف إن كان المريض يجد العلاج الذي يحتاجه. لا تقلل هذه الأسئلة من أهمية البناء؛ فغياب المدرسة أو المركز الصحي مشكلة حقيقية. لكنها تمنعنا من اعتبار الوسيلة نتيجة نهائية. المواطن يدفع كلفة الحكومة من مال عام يخصه، ومن حقه أن يفهم ماذا تغيّر في حياته مقابل ما أُنفق.
في 24 آب 2026 ناقشت وزارة التخطيط تفعيل نظام إدارة التنمية العراقية IDMS وتطويره، ومعوقات إدخال البيانات الواردة من الوزارات والمحافظات. ويختص النظام بمتابعة المشاريع والبرامج ونسب إنجازها الفنية والمالية. هذه خطوة في بناء قدرة الدولة على رؤية أعمالها، لكنها تفتح سؤالًا إضافيًا: كيف نصل من معلومات المشروع إلى معرفة أثره في الخدمة؟ وجود النظام أو عقد الاجتماع لا يثبت أن البيانات اكتملت، ولا أن النتائج تحسنت بعد.
ما الذي نعدّه إنجازًا؟
يوفر العراق نفسه مثالًا يساعد على التفريق. أفاد البنك الدولي في تشرين الأول 2024 بأن وزارة التربية أعادت بناء 26 مدرسة بين 2020 و2023 ضمن مشروع مدعوم منه، موفرة مساحات تعليمية جديدة لأكثر من عشرة آلاف طفل، وبأن أنشطة المشروع شملت تدريب أكثر من خمسة آلاف معلم ومستشار تربوي. هذه نتائج تنفيذية ذات قيمة، في سياق خلّفت فيه النزاعات نقصًا في الأبنية وتعددًا للدوام في مدارس كثيرة. لكنها لا تقدم وحدها قياسًا يثبت مقدار التحسن في القراءة والحساب.
عدد المدارس يصف ما أُنتج، وعدد المقاعد يوضح قدرة إضافية على الاستيعاب، أما الحضور المنتظم والتعلم فيصفان تغيرًا في حياة الطالب. ويحتاج كل مستوى إلى دليل يناسبه. إذا حسّنا البناء ولم نوفر المعلمين والكتب، قد تكون نتيجة التعليم محدودة. وإذا تحسنت درجات الاختبار، نحتاج معرفة طبيعة الاختبار ومن شارك فيه قبل نسبة التحسن كله إلى الأبنية الجديدة. الاعتراف بهذه الحدود يحفظ قيمة الإنجاز الفعلي ويمنع تحميله ما لا يثبته.
وبالمثل، قد تُصلح البلدية شبكة ماء فتزداد ساعات الإمداد، لكن انتظامه وسلامته يظلان سؤالين مستقلين. ينبغي قياس كمية الخدمة وجودتها واستمرارها والكلفة التي يتحملها المواطن للحصول عليها. هذه ليست دعوة إلى تقرير ضخم لكل مشروع؛ يكفي اختيار عدد محدود من المقاييس التي تجيب عن سبب إنشائه. وفرة الأرقام تصبح عبئًا إذا احتجنا عشرات الصفحات لنعرف هل وصل الماء الصالح للاستخدام أم لا.
الرقم يحتاج بداية ومقامًا
عبارة «أُنجزت مئة معاملة» لا تكفي للحكم على دائرة. نحتاج عدد الطلبات، وطبيعتها، والمدة التي استغرقتها، وما بقي متراكمًا. وإذا أُنجزت المعاملات الأسهل وتأخرت الحالات الأصعب، فقد يتحسن المتوسط بينما تتفاقم مشكلة أصحابها. لذلك ينبغي نشر تعريف المقياس وطريقة حسابه، مع إظهار الحالات المتأخرة، لا الاكتفاء برقم واحد يختزل التجربة كلها. ويجب أن تشمل المقارنة المعاملات المكتملة والمرفوضة والمتروكة، حتى لا يختفي من البيانات من عجز عن الوصول إلى النهاية.
ولا يمكن تقييم التغير من دون نقطة بداية. حين نريد خفض مدة الخدمة، نسجل أولًا مدتها الفعلية وعدد الزيارات المطلوبة، ثم نقارن بعد الإصلاح خلال فترة مماثلة. وإذا تغير عدد السكان أو الطلب على الخدمة، ينبغي إظهار ذلك. بلدية تخدم منطقة سريعة التوسع لا تُقارن آليًا بأخرى مستقرة، ومرفق يستقبل حالات أشد تعقيدًا لا يُحكم عليه بعدد المراجعين وحده. العدالة في القياس شرط كي لا تصبح المحاسبة عقابًا لمن يحمل العبء الأكبر.
وتؤكد الوثائق المنهجية للبنك الدولي عن مؤشرات الحوكمة أن المؤشرات المركبة الواسعة تفيد في المقارنات العامة، لكنها لا تكفي عادة لتصميم إصلاح تفصيلي، وأن هوامش الخطأ مهمة عند المقارنة. لذلك لا يغني ترتيب العراق في مؤشر دولي عن بيانات محكمة أو مستشفى أو خدمة محددة. نحتاج المؤشرين لأغراض مختلفة: اتجاه عام يساعد على الرؤية، وتشخيص قريب من العمل يسمح بتغييره.
عندما يصبح الهدف الرقمي أضيق من الخدمة
يقدم تقرير ديوان التدقيق الوطني البريطاني المنشور في 9 أيلول 2026 مثالًا حديثًا على حدود القياس المنفرد. ظل المعيار الدستوري في إنجلترا يستهدف إتمام مغادرة أو نقل أو إدخال 95% من مراجعي الطوارئ خلال أربع ساعات، بينما بلغت النسبة المحققة 74.9% في 2025–2026. وأشار التقرير إلى نقص الرؤية والقياس الوطني بشأن حصول المريض على العلاج المناسب في الوقت المناسب بعد دخوله المستشفى. بذلك لا تختصر مدة المرور في الطوارئ رحلة الرعاية كاملة.
لا يعني هذا أن قياس الوقت عديم الفائدة، ولا أن النسبة البريطانية معيار جاهز للعراق. المقارنة مفيدة لأنها تظهر الحاجة إلى أكثر من زاوية: سرعة الوصول، وصحة المعالجة، واستمرار الرعاية. إذا كافأنا مرفقًا على سرعة إغلاق الطلبات وحدها، فقد ينشأ حافز لإغلاقها قبل حلها. هذا خطر في تصميم الحوافز، وليس اتهامًا لمؤسسة عراقية محددة. الوقاية منه أن نربط سرعة الإنجاز بجودته وبإمكان العودة للتحقق من حالة المستفيد.
وينبغي أيضًا فصل التحسن المرصود عن أثر الحكومة وحدها. قد ينخفض ضغط الخدمة بسبب تغير موسمي، وقد تتحسن النتيجة بفعل جهود الأسر أو القطاع الخاص، وقد يرفع نزوح السكان الطلب على مرفق بعينه. يمكن استخدام المقارنة بين فترات ومناطق متشابهة، أو تنفيذ إصلاح تدريجي وتقييمه بطريقة معلنة. وكلما كانت كلفة القرار أكبر، ازدادت الحاجة إلى مراجعة مستقلة. ليس المطلوب تأجيل العمل حتى نعرف كل شيء، بل تجنب إعلان السببية قبل أن تسمح بها الأدلة.
قياس يغيّر القرار ويحترم الناس
أقترح أن تنشر كل جهة خدمية عددًا صغيرًا من النتائج التي تهم مستخدميها، مع خط البداية والهدف والنتيجة الفعلية وتفسير الانحراف. ترتبط هذه المعلومات بما هو موجود من نظم للمشاريع والمال، بدل إنشاء منصة أخرى معزولة. ويُعرف من يملك معالجة الخلل، وما القرار الذي اتُّخذ بسببه. عندما تبين الأرقام أن بناء مرفق جديد أقل فائدة من إصلاح الموجود، يجب أن تصل المعلومة إلى قرار الموازنة، وإلا بقي القياس تمرينًا في إعداد التقارير.
ولحماية صدقية البيانات، تحتاج التقارير إلى فحوص عينات وسجلات قابلة للمراجعة وتعريفات ثابتة. يُعلن أي تغيير في طريقة الحساب، ويُشرح أثره في المقارنة مع السنوات السابقة. كما تحتاج الإدارة إلى مناخ يسمح بالإبلاغ عن التعثر قبل تفاقمه؛ فالرقم السيئ قد يكون إنذارًا نافعًا، وإخفاؤه يحرم الناس من التصحيح. وتظل المساءلة مطلوبة عند التلاعب أو الإهمال، لكنها تُبنى على تحقيق في الأسباب والاختصاصات لا على لون أحمر في لوحة متابعة.
إذا تعلّمنا أن نسأل عما تغيّر، سنمنح المشاريع النافعة حقها، ونكشف الأعمال التي تستهلك الموارد من دون نتيجة كافية. يستحق العراقي أن يرى مدرسته وطريقه وماءه في حساب الحكومة، وأن يجد تفسيرًا حين لا تتحسن حياته. بهذا المعنى يصبح القياس احترامًا للوطن وأهله: كل مبلغ عام له غرض، وكل غرض ينبغي أن يظهر أثره في حياة الناس.