حين يستطيع المواطن إرسال طلبه من البيت، تختفي رحلة كان عليه أن يقتطعها من يومه. لكن الفائدة تتراجع إذا طُلب منه بعد ذلك طباعة الاستمارة، وجلب المعلومة نفسها من دائرة أخرى، والعودة ليسأل أين وصلت المعاملة. لذلك يستحق كل مشروع رقمي أن يُسأل عن الخطوات التي ألغيت فعلًا، والوقت الذي وفره، والطريق الذي بقي مفتوحًا لمن لم يستطع استخدامه. فشاشة جديدة قد تكون بداية إصلاح، وقد تغطي إجراءً لم يتغير.

العراق يملك أساسًا يمكن البناء عليه. تعرض بوابة أور الرسمية مداخل للخدمات الحكومية والاستعلامات والإرشاد والتواصل، وتُعرّف نفسها بوابة موحدة لجمهورية العراق. وجود نقطة وصول عامة أمر مهم، لكن فهرس الخدمات لا يثبت وحده أن كل خدمة تُنجز إلكترونيًا حتى استلام النتيجة. الحكم يحتاج اختبار رحلة فعلية بكل خطواتها، من التسجيل وإثبات الهوية إلى الدفع والتسليم أو الاعتراض على الرفض.

الإصلاح يبدأ من الإجراء

كان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والأمانة العامة لمجلس الوزراء قد أعلنا في آب 2021 بدء تقييم للمشهد الرقمي العراقي، يشمل التنسيق المؤسسي والإطار القانوني والتمويل وقواعد البيانات والوصول إلى الخدمات والأمن السيبراني. استحضار هذه الخطوة لا يعني أن توصياتها نُفذت جميعًا؛ إنه يوضح أن أسئلة التحول الأساسية تتجاوز شراء الأجهزة. فالتقنية تعمل داخل قواعد إدارية، وتحتاج القواعد نفسها إلى الفحص.

لنفترض أن جهة حكومية تشترط وثيقة لإثبات معلومة محفوظة أصلًا لدى جهة أخرى. نقل هذا الشرط إلى منصة يجعل تحميل الوثيقة أسهل، لكنه يبقي كلفة استخراجها على المواطن. الإصلاح الأفضل يبدأ بالسؤال عن ضرورة الطلب وأساسه القانوني، ثم يتيح التحقق المباشر حين يكون مشروعًا وآمنًا. وإذا كان الشرط مطلوبًا بالقانون، فلا يجوز للمبرمج أن يلغيه من عنده؛ تتولى الجهة المختصة تعديل القاعدة أو تنظيم تنفيذها. وضوح المسؤولية يمنع أن تُدار الحقوق باختيارات تقنية غير معلنة.

ومن المفيد أن ترسم المؤسسة رحلة الخدمة مع موظفيها ومستخدميها قبل طرح مشروع الرقمنة. أين يتكرر إدخال البيانات؟ أين تنتظر المعاملة توقيعًا لا يضيف تحققًا؟ ما الحالات التي تحتاج تدخلًا بشريًا؟ وما الذي يحدث إذا تعارض سجلان؟ بعد ذلك تُبسَّط الخطوات داخل الاختصاص، وتُختبر على نطاق محدود. هنا يستطيع الموظف صاحب الخبرة أن يسهم في الإصلاح، بدل أن يجد أمامه برنامجًا يضيف عبئًا إلكترونيًا إلى عمله الورقي السابق.

تبادل البيانات يحتاج ثقة وحدودًا

في إستونيا، تشرح هيئة نظم المعلومات الحكومية أن الانضمام إلى نظام X-tee لتبادل البيانات لا يمنح المؤسسة تلقائيًا حق الاطلاع على بيانات الآخرين. الوصول يرتبط بالصلاحيات والاتفاقات، وتسجل الطلبات بما يسمح بمعرفة من طلب ماذا. هذه هي الفكرة المفيدة للعراق: ربط المؤسسات يحتاج قواعد للنفاذ والمساءلة، ولا يتطلب فتح كل السجلات لكل موظف أو جمع كل شيء في قاعدة واحدة.

ولا تكفي استعارة اسم النظام أو شراء نسخة تقنية للوصول إلى النتيجة نفسها. يجب أولًا تحديد الجهة المرجعية لكل معلومة، وكيف تُصحح، ومن يحق له طلبها ولأي غرض. فإذا اختلف تاريخ الميلاد أو الاسم بين سجلين، يحتاج المواطن مسارًا معلومًا لحل التعارض، وتحتاج الجهات قاعدة تمنع انتشار الخطأ. تبادل بيانات غير منضبطة قد يسرّع الخطأ ويوسع أثره، بينما يحول التدقيق والتصحيح والتوثيق الربط إلى خدمة يمكن الوثوق بها.

وأقترح أن يكون جمع البيانات محدودًا بما تحتاجه الخدمة، وأن تُحدد مدد الاحتفاظ بها، وصلاحيات الموظفين، وطرق تسجيل الاطلاع والتعديل، ومسؤولية التعامل مع التسرب. كما ينبغي أن يعرف المستخدم سبب الرفض وكيف يعترض، وألا يُحرم من حق لأن النظام عجز عن مطابقة معلومة. هذه ضمانات يجب تضمينها في التصميم والتنظيم والتشريع المناسب؛ لا أعرضها باعتبارها وصفًا لنظام حماية مكتمل ونافذ في جميع الخدمات العراقية الآن.

حق الخدمة يبقى لمن لا يستطيع الدخول

تفيد بيانات البنك الدولي الخاصة بالعراق بأن نسبة مستخدمي الإنترنت بلغت نحو 81% من السكان في 2024. هذا انتشار واسع، لكنه لا يساوي قدرة الجميع على إتمام معاملة حكومية: استخدام الإنترنت يختلف عن امتلاك هاتف مناسب أو اتصال مستقر أو مهارة لرفع الوثائق والدفع والتحقق من الهوية. كما أن النسبة تخص سنة البيانات، ولا تقدم قياسًا لمهارات المستخدمين في تشرين الأول 2026.

وتنص إرشادات الحكومة البريطانية للمساعدة الرقمية، المحدثة في كانون الأول 2025 على ضرورة تمكين من يحتاج الخدمة من استخدامها، وتوضح أن الدعم قد يكون هاتفيًا أو حضوريًا، وأن أسباب الحاجة إليه تشمل غياب الاتصال أو المهارة أو الثقة. الدرس هنا محدد: تستطيع الدولة توسيع الخدمة الرقمية مع إبقاء مساعدة منظمة لمن يحتاجها. لا يلزم أن يصبح ضعف المهارة الرقمية سببًا لفقدان حق عام.

في العراق، يمكن تصميم مراكز خدمة مساعدة تعمل بالمسار نفسه، وتمنح المراجع رقم طلب وإيصالًا وتوضيحًا للخطوة التالية، مع حماية بياناته. ويجب الحفاظ على قناة بديلة مناسبة عندما يتعذر المسار الرقمي، خاصة في المعاملات المرتبطة بمدد أو استحقاقات. أما إلزام المواطن بالدفع لوسيط غير رسمي كي يستخدم خدمة حكومية، فينقل العبء إلى جيبه ويخلق اعتمادًا جديدًا. الإتاحة تحتاج معيارًا للكلفة والوصول والسرية، لا مجرد وجود حاسوب في القاعة.

شراء خدمة تستمر بعد إطلاق التطبيق

تحتاج الجهات المتعاقدة إلى طلب نتيجة قابلة للاختبار: إنجاز المعاملة، وتبادل البيانات المسموح به، وإمكان تشغيل النظام وصيانته ونقل بياناته بصورة منظمة. ويجب أن تعرف المؤسسة ما تملكه من حقوق في البيانات والبرامج، وكيف تنتقل إلى مزود آخر عند الحاجة، وكيف تعود الخدمة بعد عطل. هذه مسائل تحدد استمرارية المرفق، ويُحسم إطارها قبل التعاقد. أرخص عرض أولي قد يكون مكلفًا إذا جعل كل تعديل لاحق أو استرجاع للبيانات مرهونًا بجهة واحدة.

وأقترح أن يبدأ التقييم بخدمات كثيرة الاستخدام أو شديدة الأثر، مع تسجيل الزمن وعدد الزيارات قبل التغيير وبعده، ونسبة الإتمام وأسباب الفشل والتخلي عن الطلب. يُختبر الاستخدام باتصال ضعيف وبوسائل مساعدة، وتراجع الشكاوى مع السجلات الفنية. وإذا زادت الطلبات المكتملة وبقيت الأخطاء أو الاعتراضات بلا حل، فالإصلاح لم يكتمل. القياس الجيد يظهر أين نجحت المنصة وأين تحتاج الإدارة إلى قرار لا يستطيع البرنامج اتخاذه عنها.

يستطيع العراق أن يبني خدمات رقمية تختصر المسافة بين الدولة والناس إذا بدأ من حاجتهم وحقوقهم. النجاح أن تنتهي المعاملة بوقت وكلفة معقولين، وأن يجد المتعثر من يساعده، وأن تبقى بياناته مصونة وقرارات الإدارة قابلة للمراجعة. عندها تصير الرقمنة عملًا ملموسًا من أجل مستقبل أسهل للعراقيين، وتكتسب التقنية قيمتها من الخدمة التي تؤديها للوطن.