الواسطة بوصفها استجابة عقلانية

من السهل إدانة الواسطة أخلاقيًا، لكن فهمها يتطلب النظر إليها أيضًا بوصفها استجابة عقلانية داخل بيئة غير موثوقة. عندما يعتقد الفرد أن القاعدة العامة بطيئة أو مبهمة أو غير عادلة، يصبح البحث عن طريق شخصي بديل قرارًا مفهومًا من منظوره. وهكذا لا تعيش الواسطة فقط لأن الناس يحبونها، بل لأنهم يشكون في أن النظام الرسمي سيعاملهم كما ينبغي.

هذا لا يبرر الظاهرة، لكنه يوضح سبب رسوخها. فالواسطة ليست مجرد انحراف فردي؛ إنها عرض على خلل أعمق في بنية الثقة والإنفاذ.

كيف تتحول إلى نظام موازٍ؟

تبدأ الواسطة عادة كاستثناء، ثم تتحول تدريجيًا إلى قاعدة اجتماعية ضمنية. الناس لا يسألون: هل أحتاج إلى واسطة؟ بل: من هي الواسطة المناسبة؟ ومع الوقت، يصبح الامتثال للقاعدة الرسمية سلوكًا يبدو ساذجًا أو غير عملي. وهنا يحدث أخطر تحول: النظام الموازي لا يقتصر على تسريع الخدمة، بل يعيد توزيع الفرص والنفوذ والثقة.

هذا التحول يضر بالكفاءة أيضًا. فالمؤسسة التي تعمل بالوسيط أكثر من القاعدة تفقد قدرتها على ترتيب الأولويات، وعلى بناء إجراءات قابلة للقياس، وعلى حماية الموظف المهني من الضغط الخارجي.

لماذا يصعب كسرها؟

يصعب كسر الواسطة لأنها مسألة تنسيق جماعي. حتى من يرفضها مبدئيًا قد يلجأ إليها إذا اعتقد أن الآخرين سيفعلون ذلك. لذلك لا يكفي الوعظ أو التشهير الأخلاقي؛ المطلوب هو تغيير بيئة الحوافز: جعل القاعدة الرسمية أسرع وأوضح وأكثر عدلًا، ورفع كلفة التدخل الشخصي، وتقليل المساحات الرمادية التي تسمح بالاستثناء.

التجارب الناجحة في الحد من هذه الظاهرة غالبًا ما جمعت بين الرقمنة، وتبسيط الخدمة، والإشراف، والانضباط الوظيفي. أي أنها عالجت الجذر المؤسسي لا العرض السلوكي فقط.

العراق: القاعدة أولًا

في العراق، لا تُفهم الواسطة فقط كمسألة أخلاق عامة، بل كمسألة تصميم مؤسسي. كل إجراء معقد أو غامض أو متروك للتقدير الشخصي يفتح مساحة للوساطة. وكل تحسن في الشفافية والرقمنة وتوحيد الشروط يقلص الحاجة إليها ولو تدريجيًا.

كما أن إعادة الاعتبار للقاعدة تحمي الموظف والمراجع معًا. الموظف المهني يحتاج نظامًا يسانده عندما يقول «لا أستطيع مخالفة التعليمات»، والمواطن يحتاج ثقة بأن الطريق النظامي ليس طريقًا للخسارة.

خلاصة

تنتشر الواسطة عندما لا تبدو القاعدة كافية أو موثوقة. لذلك فإن مقاومتها الحقيقية لا تبدأ من اللوم، بل من إصلاح القاعدة نفسها. كلما أصبحت المؤسسة أوضح وأسرع وأعدل، تراجعت الحاجة إلى النظام الموازي.

المعركة ضد الواسطة هي، في جوهرها، معركة لاستعادة معنى القاعدة العامة. وإذا نجحت الدولة في ذلك، فإنها لا تقلل الفساد والمحسوبية فقط، بل تبني أيضًا ثقة أعمق بفكرة العدالة نفسها.